محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

42

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

استغرقتها أحكام اللّه تعالى وأقداره ، وكان جميع ذلك يقتضي منه حقوقا لازمة من حقوق اللّه تعالى [ الواجبة عليه ] يقوم بها وهو مطالب بذلك ومسؤول عنه وعن أنفاسه التي هي إمانة للحق عنده لم يبق له إذ ذاك مجال لتدبير أمور دنياه ولا محل لمتابعة شهوته وهواه . لا تترقب فروغ الأغيار ، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه . إذا أقام اللّه تعالى عبدا في سبب من الأسباب فالواجب عليه أو يوفيه حقه ويلتزم فيه الأدب ولا يترقب وقتا ثانيا يكون فيه فارغا منه ؛ فإن تأميله للوقت الثاني يمنعه من القيام بحق الوقت الأول فيما أقيم فيه وتوفيته ما يجب له ، وهو خلاف الأمر المطلوب منه ، فليجتنب ذلك المريد . قال أبو حفص ، رضي اللّه عنه : « الفقير الصادق هو الذي يكون في كل وقت بحكمه ؛ فإذا ورد عليه وارد يشغله عن حكم وقته يستوحش منه ويتّقيه » . وقال سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه عنه : « إذا جنّك الليل فلا تؤمل النهار حتى تسلم ليلتك تلك وتؤدّي حقّ اللّه تعالى فيها ، وتنصح فيها لنفسك ، وإذا أصبحت فكذلك » . وسئل سهل ، رضي اللّه عنه : « متى يستريح الفقير ؟ فقال : إذا لم ير وقتا غير الوقت الذي هو فيه » . [ قال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ [ الأنبياء : 35 ] : الشدة والرخاء ، والصحة والسقم ، والغنى والفقر . وقيل : بما تحبون وتكرهون ، لننظر شكركم فيما تحبون ، وصبركم فيما تكرهون ] . لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار ؛ فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها . جعل اللّه الدنيا دار فتنة وابتلاء ؛ ليعمل كل أحد فيها على مقتضى ما سبق له ، ويوفّى جزاءه في الدار الآخرة ، قال اللّه تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] وعمل كل واحد فيها إنما هو مخالفة شهوات نفسه ، أو موافقتها ، وذلك لا محالة ، يستدعي وجود محبوب أو مكروه بفعل أو بترك ، فمن ضروريات الدنيا وجدان المكاره والمشاق فيها ، فتقع الأكدار بسبب ذلك ، وأيضا ، فحاصل في الدنيا أمور وهمية انقادت طباع الناس إليها ، وهي لا تفي بجميع مطالبهم لضيقها وقلّتها وسرعة تقضّيها وتقلّبها ، فتجاذبوها بينهم ، فتكدّر عيشهم ولم يحصلوا على كلية أغراضهم ، كما قيل في المعنى :